أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

353

العقد الفريد

من هو أولى منك بالأمر ، وطلبتك ما ليس لك بحق . وواليت عليّا على ما عقد له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الولاء ، وحبّه المساكين . وإعظامه لأهل الدين . وعاديتك على سفكك الدماء ، وجورك في القضاء ، وحكمك بالهوى . قال : فلذلك انتفح بطنك ، وعظم ثدياك ، وربت عجيزتك « 1 » ، قالت : يا هذا ، بهند واللّه كان يضرب المثل في ذلك لا بي . قال معاوية : يا هذه اربعي « 2 » ، فإنا لم نقل إلا خيرا ؛ إنه إذا انتفخ بطن المرأة تمّ خلق ولدها ، وإذا عظم ثدياها تروّى رضيعها . وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها . فرجعت وسكنت . قال لها : ويا هذه ، هل رأيت عليا ؟ قالت : إي واللّه . قال : فيكيف رأيته ؟ قال : رأيته واللّه لم يفتنه الملك الذي فتنك ، ولم تشغله النعمة التي شغلتك . قال : فهل سمعت كلامه ؟ قالت : نعم واللّه ، فكان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت صدأ الطّست . قال : صدقت ! فهل لك من حاجة ؟ قالت : أو تفعل إذا سألتك ؟ قال : نعم . قالت : تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها . قال : تصنعين بها ما ذا ؟ قالت : أغذو بألبانها الصّغار ، وأستحيي بها الكبار ، وأكتسب بها المكارم ، وأصلح بها بين العشائر . قال : فإن أعطيتك ذلك فهل أحلّ عندك محل علي بن أبي طالب ؟ قالت : ماء ولا كصدّاء « 3 » ، ومرعى ولا كالسّعدان « 4 » ، وفتى ولا كمالك ، يا سبحان اللّه ، أو دونه ؟ فأنشأ معاوية يقول : إذا لم أعد بالحلم منّي عليكم * فمن ذا الذي بعدي يؤمّل للحلم خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد * جزاك على حرب العداوة بالسلم - ثم قال : أما واللّه لو كان عليّ حيا ما أعطاك منها شيئا . قالت : لا واللّه ، ولا وبرة واحدة من مال المسلمين .

--> ( 1 ) ربت عجيزتك : عظمت وكبرت . ( 2 ) اربعي : تمهّلي وانتظري . ( 3 ) صدّاء : عين لم يكن عندهم أعذب من مائها . ( 4 ) السّعدان : نبت ذو شوك ، وهو أفضل مراعي الإبل .